الجمعة، 8 فبراير 2013

من وحي القلم _مصطفى صادق الرافعي_





كانت رحلة طويلة وجميلة .. كتاب غني مشوق .. أخذني في رحلة تختلف عن الكتب الأخرى .. كان بسيطا إلى درجة التعقيد ..
أترككم مع مقتطفات مما أعجبني .. من كتاب "من وحي القلم _ مصطفى صادق الرافعي"
إن الرياح لا تكون بعثرة في نظام العالم إلا إذا كان العالم ريشا كله ؟.
نقل حقائق الدنيا إلى الكتابة أو الشعر , هو انتزاعها من الحياة في أسلوب وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل لوضعه كل شيء في خاص  معناه وكشفه حقائق الدنيا كشفة تحت ظاهرها الملتبس . وتلك هي الصناعة الفنية الكاملة , تستدرك النقص فتتمه وتتناول السر فتعلنه , وتلمس المقيد فتطلقه , وتأخذ المطلق فتحده , وتكشف الجمال فتظهره , وترفع الحياة درجة في المعنى وتجعل الكلام كأنه وجد لنفسه عقلا يعيش به .
فالكاتب الحق لا يكتب ليكتب , ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا الوجود , وتصور به شيئا من أعمالها فنا من التصوير .
من طبيعة الكلام إذا أثر في النفس , أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ.
إن من البيان فنا هو سحر من عمل النفس في اللغة تغير به الأشياء , وله عجب السحر وتأثيره وتصرفه.
الشعر في أسرار الأشياء لا في الأشياء ذاتها .
ما يطرب الشعر إلا إذا أحسسته كأنما أخذ النفس لحظة وردها .
أن المحنة في العيش هي فكرة وقوة , وأن الفكرة والقوة هما لذة ومنفعة , وأن لهفة الحرمان هي التي  تضع للكسب لذة الكسب , وسعار الجوع هو الذي يجعل في الطعام من المادة طعاما آخر من الروح , وأن ما عجل به عنك من الدنيا لا تعوضك منه الشحمة واللحمة , فإن رغباتنا لابد لها أن تجوع وتغتذي كما لا بد مثل ذلك لبطوننا ... ليست اللذة في الراحة ولا الفراغ , ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين تتحول أياما إلى راحة وفراغ . . . وسر السعادة أن تكون فيك القوى الداخلية التي تجعل الأحسن أحسن مما يكون , وتمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو .
ما أتعب الإنسان حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره؟
لا طبيعة للزمن إلا طبيعة الشعور به , ولا حقيقة للأيام إلا ما تضعه النفس في الأيام .
من أروع التصاوير التي استوقفتني كانت ...
_ الروح لا تعرف شيئا اسمه الموت , ولا شيئا اسمه الوجع , تعرف حظها من اليقين , وهدوءها بهذا الحظ , واستقرارها مؤمنة ما دامت هادئة مستيقنه .
إذا هدي المرء سبيله كانت السبل الأخرى في الحياة إما عداء له , وإما معارضة , وإما ردا , فهو منها في الأذى , أو في معنى الأذى , أو عرضة للأذى . لقد وجد الطريق ولكنه أصاب العقبات أيضا , وهذه حالة لا يمضي فيها الموفق إلى غايته , إلا إذا أعانه الله بطبيعتين : أولاهما العزم الثابت , وهذا هو التوكل على الله , والأخرى هي اليقين المستبصر , وهذا هو الصبر على الأذى .

ومتى عزم الأنسان هذا ذلك العزم , وأيقن ذلك اليقين – تحولت العقبات التي تصده عن غايته فآل معناها أن تكون زيادة في عزمه ويقينه , بعد أن وضعن ليكن نقصا منهما , فترجع بعد ذلك على الطريق وما فيها . ينظر إلى الدنيا بنور الله فلا يجد الدنيا شيئا – على سعتها وتناقضها – إلا سبيله وما حول سبيله , فهو ماض قدما لا يتراد ولا يفتر ولا يكل , وهذه حقيقة العزم وحقيقة الصبر .

فإن للروح المؤمنة المسلطة على جسمها قوة تصنع هذه المعجزات .

أفتعرف أن لكل نفس قوية من هذا العالم الذي نعيش فيه عالما آخر هو عالم أفكارها , وإحساسها , وفيه وحده لذات إحساسها وأفكارها .

إن الذي يعيش مترقبا النهاية يعيش معدا لها , فإن كان معدا لها عاش راضيا بها كان عمره في حاضر مستمر , كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها , فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه , غير محاول في الليل أن يبعد الصبح , ولا في الصبح أن يبعد الليل ... والأنسان وحده هو التعس الذي يحاول طرد نهايته , فيشقى شقاء الكبش الأخرق الذي يريد أن يطرد الليل , فيبيت ينطح الظلمة المتدجية على الأرض , وهو لحمقه يظن أنه ينطح الليل بقرينه ويزحزحه ..؟
إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا .

ليس الإيمان هو الاعتقاد ولا العمل , ولو كان من هذين لما شق على أحد و لصلحت الدنيا واهلها , إنما الإيمان وضع يقين خفي يكون مع الغريزة في مقرها .... وهذا اليقين لا يصلح إلا إذا كان ثابتا بما هو أكبر من الدنيا , فيرجع إليه الإنسان فيتذكر فيبصر . هناك ميراث من الآخرة للمؤمن , فاليقين بهذا الميراث سر الإيمان

وما أصدق وأحكم هذا الحديث الشريف :"إن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى واليقين , وجعل الهم والحزن في الشك والسخط". فهذه هي قاعده الحياة , لا تعاملك الحياة بما تملك من الدنيا , ولكن بما تملك من نفسك , وبذلك تكون السعادة في أشياء حقيقة ممكنة موجودة , بل تكون في كل ما أمكن وكل ما وجد , وإذا كان الرضا هو الاتفاق بين النفس وصاحبها , وكان اليقين هو الاتفاق بين النفس وخالقها ,
فقد أصبح قانون السعادة شيئا معنويا من فضيلة النفس وإيمانها وعقلها , ومن الأسرار التي فيها , ولا شيئا ماديا من أعضائها ومتاعها ودنياها والأخيلة المتقلبة عليها .
الله جلت قدرته يبث في الخلق ما يوجههم دائما إلى الاعتقاد ويحملهم عليه ويبصرهم به , وحتى كأن الحياة كلها إنما هي ممارسة لفضيلة الإيمان به من حيث يدري الإنسان أو لا يدري .
لا يغير النفس إلا النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير .
لو صور العقل لأضاء معه الليل , ولو صور الجهل لأظلم معه النهار.
الإيمان الصحيح هو بشاشة الروح , وإعطاء الله الرضى من القلب , ثقة بوعده ورجاة لما عنده , ومن هذين يكون الاطمئنان . بالبشاشة والرضى والثقة والرجاء , يصبح الإيمان عقلا ثانيا مع العقل , فإذا ابتلي المؤمن بما يذهب معه الصبر ويطيش له العقل . وصار من أمره مثل الجنون – برز في هذه الحالة عقله الروحاني وتولى سياسة جسمه حتى يفيق عقله الأول . ويجئ الخوف من عذاب الله ونقمته في الآخرة , فيغمر به خوف النفس من الفقر أو المرض أو غيرهما فيقتل أقواهما الأضعف , ويخرج الأعز منهما الأذل .
فالاطمئنان بالإيمان هو قتل الخوف الدنيوي بالتسليم والرضى , أو تحويله عن معناه بجعل البلاء ثوابا وحسنات , أو تجريده من أوهامه باعتبار الحياة سائرة بكل ما فيها إلى الموت , وهو بهذا عقل روحاني له شأن عظيم في تصريف الدنيا , يترك النفس راضية مرضية . تقول لمصائبها وهي مطمئنة : نعم . وتقول لشهواتها وهي مطمئنة : لا.
ليست دنياك يا صاحبي ما تجده من غيرك , بل ما توجده بنفسك فإن لم تزد شيئا على الدنيا كنت أنت زائدا على الدنيا , وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فقد وجدتها وما وجدتك , وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها . وقد تكون لبعض الناس حانوتا صغيرا , ودنيا الآخر كالقرية الململمة , ودنيا بعضهم كالمدينة الكبيرة , أما دنيا العظيم فقارة بأكملها , وإذا انفرد امتد بالدنيا فكان هو الدنيا .
هونوا عليكم , فإن للمؤمن ظنين : ظنا بنفسه , وظنا بربه فأما ظنه بنفسه فينبغي أن ينزل بها دون جمحاتها ولا يفتأ ينزل , فإذا رأى لنفسه أنها لم تعمل شيئا وجب عليها أن تعمل , فلا يزال يدفعها , وكلما أكثرت من الخير قال لها: أكثري . وكلما أقلت من الشر قال لها : أقلي . ولا يزال هذا دأبه ما بقي , وأما الظن بالله فينبغي أن يعلو به فوق الفترات والعلل والآثام , ولا يزال يعلو , فإن الله عند ظن عبده به , فإن خيرا فله وإن شرا فله .
علمت من ذل أن الذي تكتنفه رحمة الله يملك بها الدنيا نفسه , فما عليه بعد ذلك أن تفوته دنيا غيره , وأن الذي يجد طهارة قلبه يجد سرور قلبه وتكون نفسه دائما جديدة على الدنيا , وأن الذي يحيا بالثقة تخيب الثقة , والذي لا يبالي الهم لا يبالي الهم به , وأن زينة الدنيا ومتاعها وغرورها وما تجلب من الهم – كل ذلك من صغر العقل في الإيمان حين يكبر العقل في العلم ؟


الأرض المنخسفة هي التي يستنقع فيها الماء , فله فيها اسم ورسم , أما الجبل الصخري الأشم , فإذا صب هذا الماء عليه أرسله من كل جوانبه , وأفاضه إلى أسفل ..؟

يستعرض الكاتب لمحات من حقائق الحياة المقيتة قائلا : ..

يكذب الرجل ذو المنصب فيرفع شخصه فوق الفضائل كلها , فيكبر عن أن يكذب فيكون كذبه هو الصدق , فلا ينكر عليه كذبه أي صدقه ...؟ ويخرج من ذلك أن يتقرر في الأمة أن كذب القوة صدق بالقوة ؟

لعمري كيف تجعل هذه الحياة للناس قلوبا مع قلوبهم , فيحس المرء بقلب , ويعمل بقلب آخر : يعتقد ضرر الكذب ويكذب , ويعرف معرة الأثم ويأثم , ويوقن بعاقبة الخيانة ثم يخون ويمضي في العمر منتهيا إلى ربه , ما في ذلك شك , ولكنه في الطريق لا يعمل إلا عمل من قد فر من ربه ...؟

فكم في هذه الدنيا من شرفاء لو حققت أمرهم وبلوت الباطن منهم – إنما يشرفون الرذائل لأنهم يرتكبونها بشرف ظاهر .. وكم من أغنياء ليس بينهم وبين اللصوص إلا أنهم يسرقون بقانون .. وكم من فقهاء ليس بينهم وبين الفجرة إلا أنهم يفجرون بمنطق وحجة .. ليست الإنسانية بهذه السهولة التي يظنها من يظن , وإلا ففيم كان تعب الأنبياء وشقاء الحكماء وجهاد أهل النفوس .

إن الأمة لن تكون في موضعها إلا إذا وضعت الكلمة في موضعها , وإن أول ما يدل على صحة الأخلاق في أمة كلمة الصدق فيها , والأمة التي لا يحكمها الصدق لا تكون معها كل مظاهر الحكم إلا كذبا وهزلا ومبالغة .

إن أساس انخذالنا نحن الشرقيين في قلوبنا , إذ لا نعتبر المعاني القائمة إلا من جهة أنها قائمة بالرجال , ثم لا نعتبر الرجال إلا من ناحية ما في أنفسنا منهم , ثم لا نعتبر أنفسنا إلا من جهة ما يرضينا أو يغضبنا , وقد لا يغضبنا إلا الحق والجد , وقد لا يرضينا إلا الباطل والتهاون , ولكنا لا نبالي إلا ما نرضى وما نغضب .
يا صديقي ان الله رحيم , ومن رحمته أنه أخفى القلب وأخفى بواعثه ليظل كل انسان مخبوءا عن كل إنسان .

وفي الحب قال ..
جلس نابغة القرن العشرين مجلس الإملاء مرتجلا فقال :  قصة الحب هي قصة آدم , خلق الله المرأة من ضلعه , فأول علامات الحب أن يشعر الرجل بالألم كأن المرأة التي أحبها كسرت له ضلعا .. وكل قديم في الحب هو قديم بمعنى غير معقول , وكل جديد فيه هو جديد بمعنى غير مفهوم فغير المعقول وغير المفهوم هو الحب .
يا صديقي أن خيال الإنسان يلتقط صورا كثيرة من صور الجمال تجئ كما يتفق , ولكنه يلتقط صورة واحدة بإتقان عجيب , هي صورة الحب ..
الذي قدر عليه الحب لا يكون قد أحب غيره أكثر مما يكون قد تعلم كيف ينسى نفسه في غيره , وهذه كما هي أعلى درجات الحب , فهي أعلى مراتب الإحسان .
يا عجبا إن جلوس إنسان إلى إنسان بإزائه  , قد يكن أحيانا سفرا طويلا في عالم النفس .
إن ذلك الحب هو عندي عمل فني من أعمال النفس , لكن الفضيلة هي النفس ذاتها , الحب أيام جميلة عابرة في زمني , أما الفضيلة فهي زمني كله , وذلك الجمال هو قوة من جاذبية الأر ض في مدتها القصيرة ,ولكن الفضيلة جاذبية السماء في خلودها الأبدي .

وإذا لم ينته الحب بالإثم والرذيلة , فقد أثبت أنه حب , وشرفه حينئذ هو سر قوته وعنصر دوامه.
فكل أسرار الحب من أسرار الروح ومن عالم الغيب , و كأن النبوة نبوتان : كبيرة وصغيرة , وعامة وخاصة . فإحداهما بالنفس العظيمة في الأنبياء , والأخرى بالقلب الرقيق في العشاق , وفي هذه من هذه شبه , لوجود العظمة الروحية في كلتيهما غالبة على المادة
إن قصة الحب كالرواية التمثيلية , أبلغ ما فيها وأحسنه وأعجبه ما كان قبل "العقدة" , فإن انحلت هذه العقدة فأنت في بقايا مفسرة مشروحة تريد أن تنتهي , ولا تحتمل من الفن إلا ذلك القليل الذي بينها وبين النهاية .
فالشأن كل الشأن أن يستطيع الرجل الفصل بين الحب من أجل جمال الأنثى يظهر عليها , وبين الحب من أجل الأنثى تظهر في جمالها , فهو في الأولى يشهد الإلاهية في إبداعها السامي الجميل , وفي الأخرى لا يرى غير البشرية في حيوانيتها المتجملة .
فإن جمال الحبيب ليس شيئا إلا المعاني التي هي في وهم المحبة .
العرش يقبل رجلا خلفا من رجل , فيكون الثاني كالأول .
الحب لا يقبل امرأة خلفا من امرأة , فلن تكون الثانية كالأولى .
المرأة أداة استمالة بالطبيعة , تعمل بغير إرادة ما تعمله بالإرادة , لأن رؤيتها اول عملها . نعم إن المغناطيس لا يتحرك حين يجذب , ولكن الحديد يتحك حين ينجذب .
إن المرأة وحدها هي التي تعرف كيف تقاتل بالصبر والأناة , ولا يشبهها في ذلك إلا دهاة المستبدين.
كل شيء خاضع لقانونه , والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها .

حين بدأ "الرافعي" بالحديث عن العبادات حارت عيناي في كلماته وتوقف عقلي بين السطور , فقد أيقظ روحا نائمة تسكني ..
أما هذا الدين فتعلمت من أبي أنه ثلاث عبادات يشد بعضها بعضا : إحداها للأعضاء , والثانية للقلب , والثالثة للنفس , فعبادة الاعضاء طهارتها واعتيادها الضبط , وعبادة القلب طهارته وحبه الخير , وعبادة النفس طهارتها وبذلها في سبيل الإنسانية ..
شعار الطهر الذي يسمى الوضوء , كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله للمسجد .
ثم يستوي الجميع في هذا المسجد استواء واحدا , ويقفون موقفا واحدا , ويخشعون خشوعا واحدا ,ويكونون جميعا في نفسية واحدة , وليس هذا وحده , بل يخرون إلى الأرض جميعا ساجدين لله , فليس لرأس على رأس ارتفاع , ولا لوجه على وجه تمييز , ومن ثم ليس لذات على ذات سلطان . هل تحقق الإنسانية وحدتها في الناس بأبدع من هذا ؟ ولعمري أين يجد العالم صوابه إلا ههنا ؟.
أين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة  , فيخرجون بها من النفس إلى الكون , ومن الزمن إلى الأبد , ومن الأسباب إلى مسببها , ومما في القلب إلى ما فوق القلب ؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا وعرضها  , وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه , كما يتصل فكر اللص بيده , وفكر العاشق بعينه , وفكر الطفيلي بمعدته .. فاسمها عندهم الصلاة وحقيقتها عند الله كما ترى .
وفي أحد أجمل القصص في الكتاب شدني ما وصف قائلا ... فلما صاحوا :"الله أكبر .." ارتعش قلب مارية , وسألت الراهب (شطا) : ماذا يقولون ؟ قال : إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم , كأنهم يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ومن دنياهم , وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود ,فإذ أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت , فذلك هو دخولهم في الصلاة , كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة , ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها , انظري , ألا ترين هذه الكلمة قد سحرتهم سحرا فهم لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء , وقد شملتهم السكينة , ورجعوا غير ما كانوا , وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم .
_قالت مارية : ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية ؟ لقد تعبت الكتب لتجعل أهل الدنيا يستقرون ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت , وجاءت الكنيسة فهولت على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان , لتوحي إلى نفوسهم ضربا من الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني , وهي بذلك تحتال في نقلهم من جوهم إلى جوها , فكانت كساقي الخمر , إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطاءك النشوة .

هؤلاء الفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية , وهي الأشياء لا تكثر في النفس المطمئنة .
وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة.. أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلى بهموم الكثرة الخيالية .. ومثلها في الهم مثل طفيلي مغفل يحزن لأنه لا يأكل في بطنين .
إن الرجل العظيم إذا كان بارا بأبيه عارفا قدره مدركا عظمته , يشعر حين يقبل يد أبيه كأنه سجد بروحه سجدة لله على تلك اليد التي يقبلها , و يجد  في نفسه اتصالا كهربائيا بين قلبه وبين سر وجوده , ويخصه العالم بلمسة كأن قبلته نبضت في الكون .

وفي حديثه عن المعجزات بدأ الرافعي وصفه ..
كل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها في إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطال النواميس المألوفة وبهذا يقول إنها خرقت العادة.
النار مثلا إذا وهي تضرمت أوجدت الإحراق فيما يحترق , فإن وضع فيها ما لا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.
والنبي لا يكون نبيا حتى يكون في إنسانه إنسان آخر بنواميس تجعله أقرب إلى الملائمة في روحانيتها .
إن هذا الوجود يرق وينكشف ويستضئ كلما سما الإنسان بروحه.
_ وجود الإنسان هو وجود إرادته وعقله , لا جود شهواته وغرائزه , وكذلك عاش نبينا صلى الله عليه وسلم , كأنه خلق  تشده نية مستيقظة قد نبهها ما ينبه النفس من الغرر والخطر. ولعل هذا الشعور في نفسه صلى الله عليه وسلم هو التفسير لقوله :"نية المؤمن خير من عمله".
_والنية من بعد هي حارس العمل , فكل إنسان يستطيع أن يذعن وأن يأبى , ومن ثم تكون هذه النية ردا ومدافعة من ناحية , واستجابة ومطاوعة من الناحية الأخرى , فهي على الحقيقة متى صلحت كانت استقلالا تاما للإرادة , وكانت مع ذلك ضبطا لهذه الإرادة على حال واحدة هي التي ينتظم بها قانون المبدأ السامي .
وأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي , فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية , يحاول أن يطمس بهذه على تلك , ويغلب الحيوانية على الروحانية , فإذا كانت النية مستيقظة كفته وأماتت أكثر نزعاته , ووضعت لكل حاجة حد ونهاية , وبذلك ترجع النية إلى أن تكون قوة في النفس يخرج بها الإنسان عن كثير مما يحده جسمه , ليخرج بذلك عن كثير مما يحده من معاني الأرض ..
وهي بعد هذا كله تحمل الإنسان أن ينظر إلى واجبه كأنه رقيب حي في قلبه , لا يرائيه ولا يجامله , ولا يخدع من  تأويل , ولا يغر بفلسفة ولا تزيين , ولا يسكته ما تسول نفسه , ولا يزال دائما يقول للإنسان في قلبه : إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك .
وجملة القول في معاني النية أنها قوة تجعل باطن الجسم متساوقا مع ظاهره .
لعمري إن هذه الحياة الآدمية كالآلة صاحبها مهندسها , فإن صلت واستقامت فمن علمه بها و حياطته لها , وإن فسدت واختلت فمن عبثه فيها وإهماله إياها .

ففي الحديث الشريف :"ليس من أحد إلا وفيه حمقه , فيها يعيش". والحياة نفسها حماقة منظمة تنظيما عاقلا , وما يقبل الإنسان على شيء من لذاتها إلا وهو مقبل على شيء من حماقاته , وأمتع اللذة ما طاش فيه العقل وخرج من قانونه , ولولا هذا الحمق في طبيعة الإنسان لما احتمل طبيعة الحياة , أليس يخيل إليك أن أكثرك غائب عن الدنيا وأقلك حاضر فيها , وأن يقظتك الحقيقة إنما هي الحلم وما يشبه الحل , كأنك خلقت في كوكب وهبطت منه إلى كوكبنا هذا , فما فيك للأرض ولا فيها لك إلا القليل يلتئم بعضه ببعضه , وأكثر كما متنافر أو متناقض أو متراجع؟

وأخيرا ..
_إن الأنسان يحيا حياة واحدة فليجعلها بأحسن ما تكون , وليمتع روحه بما تمتع به جميع المخلوقات سواه "المصلح المنتظر".
_معاني الاختلاف لا تكون في الشيء المختلف فيه , بل في الأنفس المختلفة عليه.
_حكمك على شيء هو عقلك أنت في هذا الشيء.
_آه حين يتغير القلب فيتغير كل شيء في رأي العين .
 _"ليس الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها , ولا هو شيء يدرك , ولكن عظمة الكمال أن استمرار العمل له هو إدراكه".
مخرج ..
إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة , فيجب أن يكون معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذه الدنيا .

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

عظماء بلا مدارس _عبدالله الجمعة_




في قواميس العظماء آمنوا بأن النجاح لا يتطلب شروطا شكلية وضعها البشر بل هو فكر متجدد وعمل ومثابرة لا يحده حد , ولا يمنع من الوصول إليه عاهة أو منقصة .
هكذا خط الكاتب الصغير عبدالله الجمعة مقدمته الرائعة لكتابة "عظماء بلا مدارس" فعلى الرغم من صغر سنه لم يمنعه ذلك من إصدار أكثر من مؤلف له يحفز العاطل , الفاشل , والذي سكنه اليأس , أن العظمة والأيمان بالذات تصنعان من الفرد معجزة وليس العكس وأثبت ذلك على نفسه حيث أنه حديث السن إلا أن نشاطاته الأدبية واسعة وتدل على سعة علمه وإطلاعه وثقته بأن الإنسان يبني نفسه بنفسه .
أترككم مع اقتباسات رائعة شملها الكتاب :
قال الشاعر أرثر غترمان :"الذي يتعلم بالبحث مهارته سبعة أضعاف من يتعلم بالأوامر" .
"لا يهم عندما يتعلق الأمر بالقيادة الإدارية سوى الصفات الثلاث : معرفة القرار الصحيح , اتخاذ القرار الصحيح , تنفيذ القرار الصحيح " د.غازي القصيبي .
"العظيم لا ينتهز الفرصة ,بل يخلقها " كولتون .
"الرجل العظيم هو من يتحمل نتائج عمله " هتلر .
"الشجاعة هي القوة تحت الضغط " همنغواي .
يقول همنغواي : " أهيئ أغلب أعمالي في ذهني , ولا أبدأ أبدا في الكتابة قبل أن تكون أفكاري منظمة . وكثيرا ما أقوم بتلاوة نصوص من الحوار بالطريقة التي ستكون عليه عند كتابتها , إني أومن بأن الأذن هي أحسن مراقب وحكم . ولا اكتب أي جملة على الورق قبل أن أتيقن بأن الطريقة التي تم التعبير عنها ستكون مفهومة وواضحة تمام الوضوح للجميع ".
وإذا كانت النفوس كبارا     تعبت في مرادها الأجسام    _المتنبي _
"من علت همته طال همه "
إن أعمال شكسبير في معظمها لم تكن من إبداعه وإنما كانت أصولها من أعمال آخرين , كان تكون حكاية , أو رواية و أو عملا مسرحيا ممثلا سابقا غير أن موهبته الفائقة تكمن في إعادة تركيب تلك الأعمال بصورة أفضل , فيضيف ويحذف حتى يحصل على عمل مسرحي جيد , يقول النقاد : أنه كان يكتب لعصره وقد استعمل في كتاباته أكثر من عشرين ألف مفردة مستقلة .
"عندما يدرك الرجل قيمته الحقيقية تبدأ عظمته في الظهور " إيتش ج ويلز .
"سأغامر في سبيل النجاح حتى الموت , ولن أرجع حتى أدرك غايتي أو أموت دونها ميتة البطل الشهيد " الملك عبدالعزيز آل سعوده .
عمر المختار لحظات ما قبل الموت : فوضع الحبل في المشنقة في عنقه , وقيل عن بعض الناس الذين كانوا على مقربة منه إنه كان يؤذن في صوت خافت آذان الصلاة , والبعض قال : إنه تمتم بالآية الكريمة (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) ليجعلها مسك ختام حياته البطولية "معنى الأيمان ".

"سأل الممكن المستحيل : أين تقيم ؟ فأجاب المستحيل : في أحلام العاجز" طاغور .
يقول مالكوم إكس : "لقد تعلمت باكرا أن الحق لا يعطى لمن يسكت عنه , وأن على المرء أن يحدث ضجيجا حتى يحصل على ما يريد ".
"من طلب عظيما خاطر بعظيم " معاوية بن أبي سفيان .
"لا ينمو العقل إلا بثلاث : إدامة التفكير , ومطالعة كتب المفكرين , واليقظة لتجارب الحياة" السباعي .
"تأتي كل العظمة بالجرأة على الأقدام " شكسبير .
"ما نفعله في أوقات عملنا يحدد ما لدينا , وما نفعله في أوقات فراغنا يحدد من نحن " جورج ايستمان .
"قمة العبقرية هي أن تعرف الأمور غير المهمة فلا تضيع وقتك فيها "  ويليام جيمس.
"عندما يكون البحر ساكنا , يظهر البحارة بلا استثناء مهاراتهم الفائقة " شكسبير.
يقول الشيخ سليمان الراجحي متحدثا عن استغلاله الأمثل لوقته :"بتوفيق من الله كان لدي برنامج عمل لا أحيد عنه أبدا سواء أكان ذلك خلال عملي في الصرافة أو في مجالات الزراعة أو الصناعة أو في مشروع الدواجن , فأنا أول من يأتي إلى المكان والعمل وآخر من يخرج منه. ولابد أن يكون صاحب العمل مهتما بعمله , و أول ما أسست شركة الراجحي كنت أخرج من المنزل قبل الفجر و"الساندوتش" في جيبي وأدخل مكتبي قبل الموظفين بساعتين , وأبدا أعمل حتى كونت صروحي التجارية و أرسيت قواعدها "
"لا ينبغي الخلط بين المواهب الربانية والمواهب العلمية والأكاديمية , لأن الأولى هي الأقوى " سليمان الراجحي .
"سقوط الإنسان ليس فشلا , ولكن الفشل أن يبق حيث سقط "
"العقول كمظلات الطيارين , لا تنفع حتى تفتح" اللورد توماس.

السبت، 27 أغسطس 2011

كولن ولسون .. الحاسة السادسة



تناول الكتاب مفهوم الحاسة السادسة اللاشعورية التي قد تسيطر على المرء دون أن يستخدمها أو يزيد من استشعاره بها .
حيث يقول كولن ولسون هناك شعور قوي عام بالعبقرية أما البصيرة فهي حقيقة .
فمثلا أن النظرة التي تقول أن معظم الناس هم ضعاف ولا يرجى منهم شئ "فشلت في إدراك أن معظم القوة تنبع من الداخل" و"أننا ضعاف فقط عندما نفشل في إدراك هذه الحقيقة".
إن الشيء الوحيد المطلوب تعلمه هو تجاهل الإزعاجات الدخيلة عندما تعمل , وفي حالة أخرى التكيف على تجاهلها بحيث انك تنفي وجودها نهاية المطاف.
ويوضح قائلا : تستند فرضيتي الرئيسة على أننا نمتلك مديات قوة لا نتوقع وجودها فلو ابتعت جهاز تسجيل مثلا فعليك قراءة الدليل الذي يرشدك إلى الاستخدام وفهم جميع الأشياء المتعلقة به وإذا أهملت قراءة الدليل فربما تقضي سنوات عديدة وأنت تجهل أن هذا الزر يمكنك من استبدال اسطوانة بأخرى وأن هذا التجويف مخصص لسماعة الأذن التي ستقطع أوتوماتيكيا مكبر الصوت الرئيس بيد أن الكائنات البشرية تولد بدون دليل وعلينا أن نكتشف قدراتنا الكامنة عن طريق التجربة والخطأ ولأن معظمنا يفتقر إلى "الدافع الاستكشافي" فأننا لن نكتشف قط كل طاقتنا .
وإن الاستخدام الأمثل لطاقتنا يعتمد على تلك القوة لتوجيه تلك الطاقات أو على الأرجح توجيه الاهتمام إلى مناطق أخرى في العقل .
أنه من المؤكد دون شك أن الخطأ الرئيسي الذي مارسناه خلال الحقبة الزمنية الطويلة لنشؤ البشرية من نوع معين وأساسي من الاستسلام وعندما تثيره التحديات يكون الكائن البشري قويا وعندما تسير الحياة بهدوء واعتدال نأخذ الطريق الأقل مقاومة ثم تتعجب لماذا نسأم ونمل , والشخص الفعال العازم على شئ لا يهتم كثيرا بالحظ وإذا سارت الأمور على غير ما يرام أخذ نفسا عميقا وضاعف جهده وفي الحال يكتشف أن اللحظات التي يشعر خلالها بالسعادة الحقيقة غالبا ما تكون بعد مثل هذا الجهد , والرجل الذي اعتاد على البقاء مستسلما يصبح مشغولا بالحظ وقد يصير ذلك شعورا مستحوذا مقلقا فعندما تتحسن الأمور يكون مسرورا ومنشرحا وعندما تسؤ يكون مكتئبا وفظا وهو حزين وغير راض في أغلب الأوقات .
والاعتقاد بأنك تستطيع السيطرة على حظك كما يفعل "ليفتويج" يمكن اعتباره خطوة حيوية في تطور الإنسان ونقطة تحول حقيقة والأهم من ذلك أن "ليفتويج" يرفض فكرة أن بالإمكان دفع الحظ بعيدا جدا وهو يعتقد أن القدرة على جعل الأشياء تسير بشكل حسن هي فعالية عادية مثل أية فعالية بدنية أخرى .
فالكون متجدد وحيوي بشكل لا حصر له وإذا ما وجدنا أنه من الصعب أن يكون الكون كذلك فهذا بسبب عدم فهمنا للعقل . أو ضرب من الجهل مثل ذلك الإنسان الذي يأخذ حماما كل يوم في نفس الماء القذر لا يعرف أن السطام هو لتفريغ البانيو وإن الحنفيات لتجديده بماء نظيف .ثمة فترات يحتاج فيها العقل إلى الانعزال عن التأثيرات الخارجية .
إذا ما قبلت أن تعيش هذا الإلحاح الغريب للولوج إلى (التلال المظلمة) و(الآفاق البعيدة) فتوقع إذن الموت المبكر لأنك ستجد أن هذا العالم الإنساني المشغول دائما أصغر من أن يتسع لإيوائك
.

السبت، 30 أبريل 2011

كتاب تول السيطرة على عقلك الباطن "أنتوني جالي"



إن أفضل طريقة للتعامل مع عقلك الباطن هي أن تعامله كما لو كان طفلا ذكيا في الخامسة من عمره , فهو رغم ذكائه في غاية الاعتباطية والتعجل. لذلك فكر فيما تحب أن يكون مكافأتك اليومية ؟
ما الذي لديك الاستعداد للعمل من اجله اليوم ؟
لقد لخص احد التنفيذيين الناجحين في مجال الأعلام "إن السبب في فعلي ما أفعله هو أنني على استعداد ولدي القدرة على أن افعل ما لا يرغب الآخرون في فعله وان افعل ذلك بصورة يومية ".
كما أنه في كل مره تقابل فيها أحد الأشخاص الذين ينظمون أنشطتهم ويؤدون أعمالهم بكفاءة سترى أنهم يتحلون بحالة نفسية جيدة طوال الوقت ,إن هؤلاء يعرفون إلى أين هم متجهون وما هو هدفهم ويعرفون كيف يصلون إليه .إن هذا لا يحدث بالمصادفة , فقد تعلم هؤلاء الأشخاص في اغلب الأحوال كيف يوظفون قوة عقلهم الباطن وكيف يهيئون الظروف بطريقة منهجية لأحداث هذه الاستجابة المرغوبة , لقد تعلموا كيف يبرمجون عادات النجاح داخل عقولهم.
إن ذوي المستويات العالية من الانجاز يواظبون على فعل أشياء معينة تساعدهم على الحفاظ على دافعيتهم , وشعورهم بالاستثارة , و زيادة مستويات الطاقة لديهم , وعادة ما يمارسون تلك الأشياء والسلوكيات على أساس يومي.
فالدافعية ليست سوى حالة بحاجة للتطوير المنظم على مدار فترة من الوقت , والأشخاص الذين يتحلون بالدافعية الدائمة القوية تعلموا كيف يبرمجون عادات نجاح داخل عقولهم .
إن الالتزام اليومي , والشهري , والسنوي بهدفك قد يشكل فارقا واختلافا كبيرا بالنسبة للمحصلة النهائية لدخلك .
تحتل فكرة وضع الأهداف اليومية وتنفيذها بصورة متسقة المكانة الأولى والأكثر أهمية لمن أراد أن يحقق النجاح .
معظم الناس سوف يلحظون المزايا والفوائد السريعة والهائلة إذا خصصوا خمس دقائق ثلاث مرات أسبوعيا ليكتبوا فيها أهدافهم على الورق .
إنك بمجرد أن تركز على شئ, فأن الطريقة التي تدرك بها بقية الأشياء تتغير بصورة شبه فورية .
إن الأساس في تحديد الأهداف هو أن تظل مركزا عليها .
ليس بوسع المرء إجبار عقله الباطن على عمل أي شي , كل ما يستطيع فعله هو أن يهئ الظروف بصورة منهجية لكي تأتي الاستجابة المطلوبة .

لن يستطيع البقاء ولا تحقيق نجاح حقيقي إلا أولئك الذين لديهم القدرة على التأقلم وإعادة برمجة "سلوكياتهم".

الجمعة، 18 مارس 2011

السجينة


مليكة أوفقير _ ميشيل فيتوسي

رواية جميلة تسرد مليكة في ثناياها بطولة رائعة من حياة عاشتها عشرين عاما هي وأفراد عائلتها بأدق التفاصيل । تصف فيها أشد نكسات الزمن إيلاما وهو السقوط من أرفع منازل العزه لأدناها . تضم الرواية تفاصيل جميلة تبين أن الرغبة وحدها كفيلة بأن تصنع المعجزات وأن تمهد الطريق ..أترككم مع مقتطفات من رواية السجينة : تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت . أي طالع أشد سوءا من أن تكون امرأة في مجتمع لا يقدس إلا الفحولة ويقود بالعصا قطيع النساء . أنظر إلى العالم من خلال زجاج السيارات الفاخرة التي كانت تقلنا من قصر إلى آخر . لم أكن أعرف من أنا ومن أكون , ولأي زمان ومكان انتمي ؟ كنت اشعر بغربة دائمة تخنقني وتحول حياتي إلى جحيم لا يطاق . لأني كنت أنتقل فقط من باب السيارة إلى باب القصر أو العكس , إن مجرد باب كان يفصلني عن الدنيا. في تلك الأجواء السحرية الفاخرة تعلمت كيف أصبح أميرة . كنت أعيش في عالم كل شئ فيه ممكن , ومتاح , ومتوفر .. فوق العادة. لكن .. ما أقسى هذا التغيير , وما أشد وطأته . بين ليلة وضحاها , تنتقل من العز والجاه إلى الفقر والبؤس . علمتني الحياة أن لا نبني الكون ونعمره بالتصنع , والتملق , والزيف , والنفاق ,ولا بالمواقع , والمراكز , والمال والغنى, فكل هذا زائل وفاني لا محال . كما أن .. كل شئ يمضي ويمر , إلا أن يكون عدوك جزءا لا يتجزأ منك , وتلك هي المصيبة والهزيمة . لقد بدأت . في سن متأخرة جدا , أتعلم كيف أعيش على أرض الواقع , وأصبح امرأة عادية مثل سائر النساء. هنالك من هم في الداخل , وهنالك من بقي في الخارج , هنالك عالم يفرق بيننا وأسوار تفصلنا , حتى في أعماقنا لا شئ يجمعنا . علمني السجن أن الإنسان أقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل. ما أبشع الشعور المرعب الذي طغى علينا ... الشعور بأننا لن نتذوق مطلقا طعم الحرية ... إنه سراب لن ندركه أبدا . كم كنت أتوق على الموت وأشتهيه , بات ذكره يؤنسني , وصرت أقضي الليل بكامله أناجيه . إننا نفضل العدم على القليل , والمضي في القتال على الاستسلام والخضوع ... إن سياسة أنصاف الحلول والانتظار والتسويف ... تدخل اليأس إلى قلوبنا ... وربما ستهلكنا . في ليلة من ليالي السهاد واليأس , خرجت إلى الساحة لأخفف حدة هذا البركان الذي يتأجج في صدري , ولأول مره منذ زمن بعيد بدأت أبكي . ورحت أفتش بين دموعي عن جواب .... جاوبني الصمت والسكون , لا أحد يسمع همس استغاثاتي و توسلاتي . لقد أنقذتني الصحراء من التهلكة ...لقد تعلمت منها أننا نحن بني البشر لسنا سوى عابري سبيل في هذه الحياة الفانية ..وبأنه لا ينفع التباكي على الماضي ... لا إطالة الوقوف على الأطلال ...وبأن أتقبل قدري بكل صبر وشجاعة , وأن أتخلى عن أقنعة الزيف والتصنع ...و أن أكون أنا ... وفقط أنا ... عوضنا عن التباكي على الذات , كان يراودني إحساس جارف بأن قدري تحسن , وبات أفضل , بالرغم من كل ما يواجهنا من ويلات ومخاطر . إننا ندين بذلك إلى ما بذلناه من جهود .وما نمتلكه من نفاذ بصر . كان الملك قويا جدا ... وكنا نحن ضعفاء جدا ... ألا يحق لنا على الأقل أن نشعر بالرضا لأننا تمكنا من لي ذراعه . أي معايير أخلاقية غريبة تلك التي تبيح له أن يفرض , خلال خمس عشرة سنة , كل هذه الأهوال والويلات على أطفال أبرياء ؟ هل هنالك في العالم قانون يقضي بإنزال العقاب بذرية المجرم . الحقيقة وحدها تكفي لتدمر هذا الجائر ... يا الله ... ما أهون الشعرة التي تفصل بين الأشياء ... التي تخضع لمشيئة الملك ومزاجه ؟ أصبحنا .. نعرف جيدا الطريقة التي يتبعها النظام .. نعرف متى نصمت , ومتى نتكلم , وكل شئ بمقدار . فنحن لسنا سوى "طرائد سجينة"بين أيدي الجلاد العابثة , ومتى كانت الطريدة تصدق صيادا وتثق به ؟ ومع كل هذا ... فأنا في الثامنة عشر من عمري ,أمتلئ عزيمة وتصميما على الصمود والمقاومة ... موقفنا المقاوم والمتحدي يعني أننا نتصدى بكل عزم وتحد لكل أنواع العقاب الذي يريد الملك به أن يكسر شوكتنا , ويحني رؤوسنا . ولكن لا , لقد خاب ظنه , لأننا آل أوفقير , لا نموت إلا وقوفا . إنه قدرنا ,وخيارنا الوحيد , لا مجال أبدا لأي مساومة أو مقايضة . تصف مليكة أحد أروع لحظاتها في السجن قائلة : فجأة أتاني إلهام داخلي كبير ,ورحت أقص عليهم إحدى القصص , ومن خلالها كنت أحدثهم عن الحياة والحب .... وأحلق بهم بعيدا ...لقد ابتدعت مسلسلا إذاعيا .. أحمل الميكروفون بيدي وأبتعد عن كل ما حوالي إلى عوالم أصنعها بنفسي . وأشد لحظات الرعب سطوة وصفتها قائلة : كان زوار الليل , بعدما ألفنا وجودهم وحضورهم , قد اختفوا إلى غير رجعة ... وكان القلق يتملك أمي . فكل ليلة بينما هي تقرأ على ضوء المصباح , كانت تشعر بلفحة أنفاس تداعب وجهها وبأحد ما إلى جانبها . غريب هو الإحساس الذي ينتابنا عندما نبعث على الحياة من جديد .... ها نحن أخيرا نحصد ثمرة مثابرتنا وإصرارنا . من بين الركام نجحنا بالعبور من الفجوة إلى الجهة الأخرى ما أروع الشعور بالحرية . ما أن انفتحت أبواب الحدائق حتى بدأ قلبي يخفق بسرعة لمرآها , إنه لشعور هائل لا ينسى .إنها لن تغلق علينا أبدا بعد اليوم . فلتسقط الأقنعة ... لم نعد نؤمن بشئ ...؟

الجمعة، 4 مارس 2011

أسرار عقل المليونير "ت.هارف إيكر"


كتاب رائع يتناول أفكار خلاقة يمكن من خلال تطبيقها عمليا , صناعة ثورة فكرية قبل أن تكون مالية , حقيقة هناك بعض الأفكار بمجرد قراءتها تعلم أنها ناجحة وأن تطبيقها يتطلب صبرا لجني ثمارها . أترككم مع مقتطفات من "أسرار عقل المليونير" السبب الأول في عدم حصول الناس على ما يريدون هو أنهم لا يعلمون ماذا يريدون . يورد الكاتب تشبيه بليغ حيث يقول : إن الطريقة الوحيدة من أجل تغيير درجة حرارة الغرفة بشكل مستمر هي عن طريق , إعادة ضبط منظم الحرارة. وقياسا على ذلك , فإن الطريقة الوحيدة لتغيير مستوى نجاحك المالي "بشكل نهائي" هي عن طريق إعادة ضبط منظم حرارتك المالية , أو ما يسمى بمخططك المالي . وينبه إلى أن العامل الأول لأحداث تغيير هو الإدراك فلا يمكنك أن تغير شيئا لا تدرك وجوده , فراقب نفسك , وكن أكثر وعيا , ولاحظ أفكارك ومخاوفك ومعتقداتك وعاداتك , وأفعالك , ولاحظ الأشياء التي لا تفعلها . ضع نفسك أسفل المجهر , ادرس نفسك. الوعي هو مراقبة أفكارك وأفعالك حتى يمكنك أن تعيش بناء على اختيار حقيقي تتخذه في اللحظة الحالية بدلا من أن يتحكم فيك توجيه تم في الزمن الماضي . إن أكبر خطأ قد يرتكبه معظم الناس هو أنهم ينتظرون حتى يقل إحساسهم بالخوف قبل أن تكون لديهم القدرة على أن يقوموا بالفعل , وهؤلاء غالبا ما ينتظرون للأبد . أحد أهم الاختلافات بين الأغنياء والفقراء هو أن الأغنياء قادرون على القيام بالأفعال على الرغم من الخوف . إذا كان الدافع لديك نحو امتلاك المال أو إدراك النجاح مصدره إحساس غير مفيد كالخوف أو الغضب أو الحاجة إلى "إثبات" نفسك فإن أموالك لن تجلب لك السعادة أبدا . تذكر إلى أنه لا توجد فكرة تستقر في رأسك بدون مقابل , فمن الضروري أن تختار أفكارك ومعتقداتك بعناية. إن ما تقوم بالتركيز عليه , يتوسع "إنها حقيقة قانون كوني معروف" , أن الأفكار تقود إلى المشاعر , المشاعر تقود إلى الأفعال , والأفعال تقود إلى النتائج . إنها عملية حسابية بسيطة :"إن دخلك ينمو فقط إلى المدى الذي ينمو به فكرك" فكل فعل ثري تسبقه طريقة ثرية في التفكير . كما يبين الكاتب العوالم الأربعة قائلا: هي العالم المادي , والعالم العقلي , والعالم الوجداني , والعالم الروحي , ومعظم الناس لا يلاحظون أبدا أن العالم المادي ما هو إلا "نتاج" للعوالم الثلاثة الأخرى . المال نتيجة , والثراء نتيجة , والصحة نتيجة , والمرض نتيجة ووزنك هو الآخر نتيجة , نحن نعيش في عالم من الأسباب والنتائج . دعني أذكرك بقانون قوة النوايا , عندما تكون نيتك هي أن يكون لديك ما يكفي لسداد الفواتير _فإن ما ستحصل عليه بالتحديد _ فقط ما يكفي لسداد الفواتير ولا قرش زيادة , ولكن إن كان هدفك هو أن تصبح غنيا هناك احتمال كبير أن ينتهي بك الحال في أحسن حالات الراحة المالية . يضرب الكاتب مقولة رائعة لأحد أهم المخترعين والفلاسفة في عصرنا " بكمنستر فريلر" حيث يقول : إن الهدف من حياتنا هو أن نضيف قيمة إلى حياة أفراد هذا الجيل والجيل الذي يليه . إذا كنت تؤمن بأن ما لديك لتعرضه يمكن أن يساعد الناس , فإن من واجبك أن تجعل أكبر عدد من الناس يعلمون عنه , فالفعل هو الجسر الذي يربط بين العالم الداخلي والعالم الخارجي .إذا أردت أن تحقق الثراء أو أي نوع من النجاح عليك أن تكون محاربا . عليك أن تكون مستعدا لأن تفعل كل ما يتطلبه الأمر عليك أن تدرب نفسك على ألا يوقفك أي شئ. إذا أردت أن تتحرك إلى مستوى آخر في الحياة , فعليك أن تخرج بعيدا عن منطقة الراحة , وأن تمارس المهام غير المريحة . تقدم إلى الأمام , لاحظ وجرب مشاعر عدم الراحة , مدركا أنها مجرد مشاعر _ وأنها لا قدرة لها على إيقافك . إذا استمررت في إصرارك على الرغم من وجود المشقة , فإنك في النهاية سوف تصل إلى هدفك . لأننا مخلوقات تحكمها العادة , يجب علينا أن نتدرب , السر هو أن تنمي نفسك حتى تصبح أكبر من أي مشكلة , إن حجم المشكلة ليس ما يهم , إن ما يهم هو حجمك أنت . كلما كبرت المشكلة التي تستطيع معالجتها , كبر المشروع الذي يمكن أن تتولاه , إن الأغنياء لا يتراجعون أمام المشاكل , ولا يتحاشونها ولا يشتكون منها , إن الأغنياء يحاربون في ميدان الأموال . الفارق الوحيد والكبير بين النجاح والفشل المالي هو كيفية إدارة أموالك بنجاح . فبدلا من أن تقول : " عندما يكون لدي الكثير من المال سوف أبدا في إدارته ", فإن الحقيقة هي :"عندما أبدا في إدارة أموالي سيصبح لدي الكثير منها " والقاعدة هي كالآتي :"إلى أن تظهر قدرتك على التحكم بما لديك فإنك لن تحصل على المزيد منه". إن المعجزات المالية سوف تبدأ بالحدوث ما أن تظهر للكون أن باستطاعتك إدارة أموالك بشكل سليم , أحد أهم أسرار إدارة أموالك هو "التوازن ". يوضح الكاتب بدقة تعريف كلمة يلتزم : "هو أن يكرس شخص ما نفسه بالكامل من أجل هدف محدد ".هذا يعني أن تكون مستعدا أن تقوم بكل ما يلزم أيا كان الوقت الذي يستغرقه تحقيق ذلك . وهذه هي طريقة المحاربين . لا تقبل الاعتذارات أو المبررات أو الاعتراضات أو الاحتمالات _ والفشل ليس احتمالا ممكن , وطريقة المحاربين بسيطة:"هي أنني سوف أصبح غنيا أو أموت وأنا أحاول". يقول ستيورات وايلد:" إن مفتاح النجاح يكمن في قدرة المرء على رفع طاقته الخاصة ..", الهدف من تحقيق الثراء هو أن تساعد نفسك على أن تكون أفضل شخص يمكن أن تكونه . إن الأشياء التي لا نعرفها ليست ما يعوقنا عن النجاح ولكنها تلك الأشياء الخاطئة التي نعرفها التي تمثل أكبر العراقيل أمامنا . في عالم الماليات تتوازى المكافآت مع المخاطر , فلا تضع سقفا لدخلك أبدا .كما أن هناك قوانين "خارجية" للأموال فلابد من وجود قوانين "داخلية" , ومن واقع خبرتي فأن ما لا تراه في هذا العالم هو أقوى بكثير مما يمكنك رؤيته . إن الوقت قد حان لتتوقف عن الحاجة إلى الآخرين وتبدأ في قيادتهم . إن ما تركز عليه يحدد ما تجده في الحياة , ركز على الفرص و سوف تحصل عليها . أخيرا يشير الكاتب إلى أنه عندما يضطر العقل الباطن أن يختار بين المشاعر المتأصلة وبين المنطق فأن المشاعر هي التي تفوز دائما .

السبت، 19 فبراير 2011

خوارق اللاشعور وأسرار الشخصية الناجحة _ د.علي الوردي


اللاشعور _ اصطلاح يراد به الإشارة إلى ما يحدث داخل النفس من مجريات لا يشعر بها الفكر ولا تدخل قي مجال الوعي والتأمل . إن هناك بالأحرى قوى لا شعورية تنبثق من أغوار النفس ويكون لها أثر لا يستهان به في نجاح الفرد أو نبوغه أو تفوقه ,الأبحاث النفسية الحديثة تشير إلى أن العبقري حين ينتج إنتاجه الرائع لا يشعر بنفسه , فهو يدخل في حالة شاذة لها شبه بالصرع أو الغيبوبة أو الهذيان . ما نريد أن يفهمه القارئ هنا هو أن العبقرية فيها شئ عن الخروج من الذات والدخول في عالم آخر لا نعلم مداه الآن معرفة تامة , فهي تعتبر نوعا من أنواع الجنون أحيانا لأنها تخرج بصاحبنا عن حالته الاعتيادية وتجعله ينظر إلى الحياة بمنظار ثاقب نفاذ لم يعهده الناس من قبل . يقول جيمس : إن الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديين ليس مرجعه إلى صفة أو موهبة فطرية في العقل , بل إلى الموضوعات والغايات التي يوجهون إليها همهم , وإلى درجة التركيز التي يسعهم أن يبلغوها , إن العبقرية خروج من الذات وانغمار في عالم أسمى وأوسع . حوافز النفس الآنية فهي تنبثق من أغوار العقل الباطن , والعقل الباطن جوهر غير محدود بحدود الزمان والمكان وله القدرة على رؤية الغيب والإطلاع على ماوراء الحجب والمسافات . إن العقل الباطن مؤلف من أي رغبة مكبوتة , والدوافع تقيم خطوط الاتصال بين العقل الباطن والعمل اليومي . يقول الخبراء في فن الكتابة الحديثة : اكتب أول خاطر يطرأ على ذهنك ,ولا تطيل فيما تكتب , فإنك ستجد بعد لحظة بأن قلمك قد انساب في الموضوع انسيابا عجيبا حيث تكتب بلباقة لا عهد لك بها من قبل . ينبغي أن ينتبه المنشئ إلى الحقيقة الكبرى في فن الكتابة و هي أن الإبداع فيها يأتي عفو الخاطر _ أي نتيجة الانبثاق اللاشعوري . إن اللاعب الحاذق ينسى نفسه أثناء اللعب ويصبح هو والكرة كأنهما شئ واحد. النجاح يأتي على قدر الهدوء والاسترسال و عدم التكلف , وذلك لكي نستثمر الومضات المبدعة التي تنبعث من اللاشعور في حياتنا , لعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن الشخصية الناجحة هي التي تتخيل النجاح الذي تريده. ينتقد بعض الكتاب القرآن لأنه يكرر القصص وآيات الوعظ مره بعد مره و يذكر الله و آثاره في الكون في كل صفحة من صفحاته . وما درى هؤلاء المغفلون بأن هذا التكرار الذي ينتقدونه هو الذي طبع في نفوس العرب ذلك الأيمان العميق بالله وجعلهم يحطمون إيوان كسرى وعرش القيصر في سنوات معدودة . فالعقيدة بنت الإيحاء والتكرار , الأيمان يزلزل الجبال . إن العقيدة قناعة لا شعورية تأتي نتيجة الأيمان القوي والمراس الطويل والانغمار الذي لا يخامره شك أبدا , فقوة العقيدة وعمقها وتغلغلها في اللاشعور هي التي تؤدي إلى ظهور الخوارق , فالإنسان يستطيع بقواه النفسية أن يتحدى الصدفة ويغالبها . إن حوادس اللاشعور لا تنبعث إلا من نفس صافية مطمئنة , فالمبدع حين ينغمر في عمله ويذوب فيه . إنه لا يريد أن ينجح في عمله , ولا يقصد الكمال في أدائه . فهو حين يعمل لا يشعر بنفسه ولا يحس أن له قصد يسعى وراءه . إنه يصبح أثناء العمل كأنه جزء من العمل , فهو يسير فيه منسابا على سليقته , وإذا ذاك يتسلم العقل الباطن زمام الأمر فيقوده إلى الغاية المنشودة من حيث لا يدري . سينل يرى بأن كل مادة في الكون تبعث ذبذبات أو أمواج أثيرية خاصة لا تدركها الحواس الخمس , وقد قرر البروفسور "دنكان" أستاذ الطبيعة في جامعة نيويورك سابقا ,أن الأمواج تنطلق بلا انقطاع من كل مادة في الوجود فتصطدم بما حولها من مواد وتؤثر فيها . أخيرا إن المستقبل لا يأتي إلينا إنما نحن نذهب إليه , فهو موجود "هناك" في نقطة من نقاط الزمان , ويستطيع الإنسان أن يطلع عليه إذا كان موهوب بموهبة الإحساس الخارق .